الشوكاني

35

فتح القدير

وقيل صلاة الصبح والعصر ، وقيل المراد صلاة الضحى ، وقيل المراد بالتسبيح هنا معناه الحقيقي ، وهو تنزيه الله سبحانه عما لا يليق به في ذاته وصفاته وأفعاله ، ويؤيد هذا ذكر الصلاة والزكاة بعده ، وهذا أرجح مما قبله ، لكونه المعنى الحقيقي مع وجود دليل يدل على خلاف ما ذهب إليه الأولون ، وهو ما ذكرناه ( لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ) هذه الجملة صفة لرجال : أي لا تشغلهم التجارة والبيع عن الذكر ، وخص التجارة بالذكر لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان عن الذكر . وقال الفراء : التجارة لأهل الجلب ، والبيع ما باعه الرجل على بدنه ، وخص قوم التجارة هاهنا بالشراء لذكر البيع بعدها ، وبمثل قول الفراء . قال الواقدي : فقال التجار هم الجلاب المسافرون والباعة هم المقيمون ، ومعنى عن ذكر الله : هو ما تقدم في قوله ( ويذكر فيها اسمه ) وقيل المراد الأذان ، وقيل عن ذكره بأسمائه الحسنى : أي يوحدونه ويمجدونه . وقيل المراد عن الصلاة ، ويرده ذكر الصلاة بعد الذكر هنا . والمراد بإقام الصلاة إقامتها لمواقيتها من غير تأخير ، وحذفت التاء لأن الإضافة تقوم مقامها في ثلاث كلمات جمعها الشاعر في قوله : ثلاثة تحذف تا آتها * مضافة عند جمع النحاة وهي إذا شئت أبو عذرها * وليت شعري وإقام الصلاة وأنشد الفراء في الاستشهاد للحذف المذكور في هذه الآية قول الشاعر : إن الخليط أجدوا البين وانجردوا * وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا أي عدة الأمر ، وفي هذا البيت دليل على أن الحذف مع الإضافة لا يختص بتلك الثلاثة المواضع . قال الزجاج : وإنما حذفت الهاء لأنه يقال أقمت الصلاة إقامة ، وكان الأصل أقواما ، ولكن قلبت الواو ألفا فاجتمعت ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين فبقي أقمت الصلاة إقاما ، فأدخلت الهاء عوضا من المحذوف وقامت الإضافة هاهنا في التعويض مقام الهاء المحذوفة ، وهذا إجماع من النحويين انتهى . وقد احتاج من حمل ذكر الله على الصلاة المفروضة أن يحمل إقام الصلاة على تأديتها في أوقاتها فرارا من التكرار ولا ملجئ إلى ذلك ، بل يحمل الذكر على معناه الحقيقي كما قدمنا . والمراد بالزكاة المذكورة هي المفروضة ، وقيل المراد بالزكاة طاعة الله والإخلاص ، إذ ليس لكل مؤمن مال ( يخافون يوما ) أي يوم القيامة ، وانتصابه على أنه مفعول للفعل لا ظرف له ، ثم وصف هذا اليوم بقوله ( تتقلب فيه القلوب والأبصار ) أي تضطرب وتتحول ، قيل المراد بتقلب القلوب انتزاعها من أماكنها إلى الحناجر فلا ترجع إلى أماكنها ولا تخرج ، والمراد بتقلب الأبصار هو أن تصير عمياء بعد أن كانت مبصرة . وقيل المراد بتقلب القلوب أنها تكون متقلبة بين الطمع في النجاة والخوف من الهلاك ، وأما تقلب الأبصار فهو نظرها من أي ناحية يؤخذون ، وإلى أي ناحية يصيرون . وقيل المراد تحول قلوبهم وأبصارهم عما كانت عليه من الشك إلى اليقين ، ومثله قوله - فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد - فما كان يراه في الدنيا غيا يراه في الآخرة رشدا . وقيل المراد التقلب على جمر جهنم ، وقيل غير ذلك ( ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ) متعلق بمحذوف : أي يفعلون ما يفعلون من التسبيح والذكر وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ليجزيهم الله أحسن ما عملوا : أي أحسن جزاء أعمالهم حسبما وعدهم من تضعيف ذلك إلى عشرة أمثاله وإلى سبعمائة ضعف ، وقيل المراد بما في هذه الآية ما يتفضل سبحانه به عليهم زيادة على ما يستحقونه ، والأول أولى لقوله ( ويزيدهم من فضله ) فإن المراد به التفضل عليهم بما فوق الجزاء الموعود به ( والله يرزق من يشاء بغير حساب ) أي من غير أن يحاسبه على ما أعطاه ، أو أن عطاءه سبحانه لا نهاية له ، والجملة مقررة لما سبقها من الوعد بالزيادة .